جلال الدين السيوطي
24
الرحمة في الطب والحكمة
للعاقبة . وللأكل أوقات وكيفيات قال الحكماء الأصلح في كل يومين وليلتين ثلاث أكلات وقت البرد وقال بعضهم في كل يوم وليلة أكلة وهي عند إفطار الصائم ولا بأس بما تعوده الناس من الغداء والعشاء بكرة وعشية مع القدر اليسير من المطاعم وليجود مضغه حتى يسهل على المعدة هضمه ويأكل جالسا ويبدأ باسم اللّه ويختم بالحمد للّه . هذا هو الحال الأصلح والسّنة . وينبغي له أن يجتنب أشياء مضرة والحذر كل الحذر من أكل الطعام النيء أو ما تعافه النفس ومن إدخال الطعام على الطعام قبل أن يهضم ومن أن يشبع فهذا أسرع العلل وربما يكون سببا للهلاك وقال بعضهم في معنى ذلك : ثلاث هن مهلكة الأنام * وداعية الصحيح إلى السقام دوام مدامة ودوام وطء * وإدخال الطعام على الطعام وقال الأحنف بن قيس : اختار الحكماء من كلام الحكمة أربعة آلاف كلمة ثم اختاروا منها أربعمائة كلمة ثم اختاروا منها أربعين كلمة ثم اختاروا منها أربع كلمات . الأولى لا تثق بالنساء . الثانية : لا تحمل معدتك ما لا تطيق . الثالثة : لا يغرنك المال وإن كثر . الرابعة : يكفيك من العلم ما تنتفع به . واجتمع عند الملك كسرى أربعة من الحكماء عراقي ورومي وهندي وسوداني فقال لهم الملك : ليصف لي كل واحد منكم الدواء الذي لا داء معه ، فقال العراقي الدواء الذي لا داء معه أن تشرب على الريق كل يوم ثلاثة جرعات من الماء الساخن ، وقال الرومي : الدواء الذي لا داء معه أن تسف كل يوم قليلا من حب الرشاد ، وقال الهندي : الدواء الذي لا داء معه أن تأكل كل يوم ثلاث حبات من إهليلج أسود والسوداني ساكت وكان أحذقهم ، فقال له الملك : لم لا تتكلم ؟ فقال : يا مولاي الماء الساخن يذهب شحم الكلى ويرخي المعدة وحب الرشاد يهيج الصفراء والإهليلج يهيج السوداء ، فقال له الملك : فما الذي تقول أنت ؟ فقال : يا مولانا الدواء الذي لا داء معه أن لا تأكل إلّا بعد الجوع وإذا أكلت فارفع يدك قبل الشبع فإنك لا تشكو علة إلّا علة الموت فقالوا كلهم صدق ، وينبغي أن لا يجمع الإنسان بين طعامين متفقين على طبيعة واحدة قوية فلا يجمع بين حارين كاللحم والبيض ولا بين باردين كالسمك واللبن ولا بين يابسين كالدخن والعدس ولا يأكل شيئا صلبا ولا شديد اللزوجة وما يصعب على الأسنان قطعه فهو أصعب على المعدة أن تهضمه ولا يشرب على الأكل بسرعة حتى يسكن الطعام في معدته وكل ذلك مضر ، فهذا القدر كاف في تدبير الأكل . واتفق العلماء والأطباء من الروم والهند والفرس على أن الأمراض كلها متولدة من ستة أشياء : الأولى كثرة الجماع . والثانية : شرب الماء في جوف الليل . والثالثة : قلة النوم في الليل ، والرابعة : كثرة النوم في النهار . والخامسة : الأكل على الشبع . والسادسة : حبس البول . الثاني تدبير الشرب : وهو أن لا يشرب الإنسان إلّا دون الري وأن يشرب ماء عذبا